محمد باقر الملكي الميانجي

301

مناهج البيان في تفسير القرآن

ويصبّ عليهم على التواتر ولا مهلة . قوله تعالى : « إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا » . أي رجعوا عن كفرهم وتمرّدهم وأصلحوا سرائرهم وبواطنهم . فقوله : [ هل إصلاح الأعمال عقيب التوبة شرط فيها أولا ؟ ] « وَأَصْلَحُوا » عطف على تابوا ، وتوضيح وتشريح للتوبة ، أي توبة مصلحة للضّمائر والسرائر كاملة نافعة ومرجعها إلى التوبة الناصحة أي الخالصة . وليس له مفهوم بمعنى أنّ ما ليس من التوبة مصلحة ليس نوبة كالندم والاستغفار . قال في المنار 3 / 365 : « وَأَصْلَحُوا » أعمالهم بما صار للإيمان الراسخ من السلطان على نفوسهم ، والتصريف لإرادتهم ، أو أصلحوا نفوسهم بالأعمال الصالحة الّتي تمدّ الإيمان وتعذّيه ، وتمحو من لوح القلب تلك الصفات الذميمة ، وتثبت فيها أضدادها . أقول : إن كان المراد أنّ إصلاح الأعمال شرط في التوبة ، أو أنّه عين التوبة وداخل في حقيقتها ، فلا دليل عليه ، بل الدليل على خلافه فإنّ من أسلم وتاب عن كفره فمات قبل أن يوفّق لإصلاح أعماله فهو مسلم قطعا ، وكذا من تاب من الفسّاق عن فسقه ، ومات بدون إصلاح أعماله فهو تائب بلا إشكال . ولا دلالة في الآية أنّ إصلاح الأعمال شرط في التوبة كي تعارض ما يخالفها من الأدلّة . غاية ما يستفاد من الآية أنّ إصلاح الأعمال ممّا يلازم التوبة . فإن قيل : لا ريب في أنّ تحقّق التوبة في بعض الموارد متوقّف على العمل بعد التوبة من ترك واجب لا يكون إلّا بإتيانه ، ومن ارتكاب حرام لا يكون إلّا بتركه . قلت : العزم في الواجبات والمحرّمات يكفي في تحقّق التوبة إلّا أنّه يجب عليه إصلاح توبته هذه بتدارك ما ضاع منه بترك الواجبات وارتكاب المحرمات . قال في مجمع البيان 2 / 472 : أي تابوا من الكفر ورجعوا إلى الإيمان وأصلحوا ضمائرهم ، وعزموا على أن يثبتوا على الإسلام . وهذا أحسن من قول من قال : وأصلحوا أعمالهم بعد التوبة وصلّوا وصاموا ، فإنّ ذلك ليس بشرط في صحّة التوبة ، إذ لو مات قبل فعل الصالحات مات مؤمنا بالإجماع . قوله تعالى : « فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » . ( 89 )